أحمد بن محمد القسطلاني
6
ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري
فاعكف ببابهما على طلابهما . . . تمحو العمى بهما عن كل ملتمس ورد بقلبك عذبًا من حياضهما . . . تغسل بماء الهدى ما فيه من دنس واقف النبيّ وأتباع النبيّ وكن . . . من هديهم أبدًا تدنو إلى قبس والزم مجالسهم واحفظ مجالسهم . . . واندب مدارسهم بالأربع الدرس واسلك طريقهم واتبع فريقهم . . . تكن رفيقهم في حضرة القدس تلك السعادة إن تلمم بساحتها . . . فحط رحلك قد عوفيت من تعس ومن شرف أهل الحديث ما رويناه من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : " إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم عليّ صلاة " . قال الترمذي حسن غريب . وفي سنده موسى بن يعقوب الزمعيّ قال الدارقطني إنه تفرّد به ، وقال ابن حبان في صحيحه في هذا الحديث بيان صحيح . على أن أولى الناس برسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - في القيامة أصحاب الحديث ، إذ ليس من هذه الأمة قوم أكثر صلاة عليه منهم . وقال غيره المخصوص بهذا الحديث نقلة الأخبار الذين يكتبون الأحاديث ويذبّون عنها الكذب آناء الليل وأطراف النهار . وقال الخطيب في كتابه شرف أصحاب الحديث قال لنا أبو نعيم : هذه منقبة شريفة يختص بها رواة الآثار ونقلتها لأنه لا يعرف لعصابة من العلماء من الصلاة على رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أكثر ما يعرف لهذه العصابة نسخًا وذكرًا . وقال أبو اليمن بن عساكر : ليهن أهل الحديث كثرهم الله تعالى هذه البشرى ، فقد أتم الله تعالى نعمه عليهم بهذه الفضيلة الكبرى ، فإنهم أولى الناس بنبيّهم - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وأقربهم إن شاء الله تعالى وسيلة يوم القيامة إلى رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ، فإنهم يخلدون ذكره في طروسهم ، ويجددون الصلاة والتسليم عليه في معظم الأوقات في مجالس مذاكرتهم وتحديثهم ودروسهم ، فهم إن شاء الله تعالى الفرقة الناجية جعلنا الله تعالى منهم وحشرنا في زمرتهم آمين . الفصل الثاني في ذكر أوّل مَن دوّن الحديث والسُّنن ومَن تلاه في ذلك سالكًا أحسن السُّنن اعلم أنه لم يزل الحديث النبويّ والإسلام غض طريّ والدين محكم الأساس قويّ ، أشرف العلوم وأجلّها لدى الصحابة والتابعين وأتباعهم خلفًا بعد سلف ، لا يشرف بينهم أحد بعد حفظ التنزيل إلا بقدر ما يحفظ منه ، ولا يعظم في النفوس إلا بحسب ما سمع من الحديث عنه ، فتوفرت الرغبات فيه وانقطعت الهمم على تعلمه ، حتى رحلوا المراحل ذوات العدد ، وأفنوا الأموال والعدد ، وقطعوا الفيافي في طلبه وجابوا البلاد شرقًا وغربًا بسببه ، وكان اعتمادهم أوّلاً على الحفظ والضبط في القلوب والخواطر ، غير ملتفتين إلى ما يكتبونه ، ولا معوّلين على ما يسطرونه ، وذلك لسرعة حفظهم وسيلان أذهانهم . فلما انتشر الإسلام واتسعت الأمصار وتفرّقت الصحابة في الأقطار ، وكثرت الفتوحات ومات معظم الصحابة وتفرّق أصحابهم وأتباعهم ، وقلّ الضبط واتسع الخرق وكاد الباطل أن يلتبس بالحق ، احتاج العلماء إلى تدوين الحديث وتقييده بالكتابة ، فمارسوا الدفاتر وسايروا المحابر وأجالوا في نظم قلائده أفكارهم ، وأنفقوا في تحصيله أعمارهم ، واستغرقوا لتقييده ليلهم ونهارهم ، فأبرزوا تصانيف كثرت صنوفها ، ودوّنوا دواوين ظهرت شفوفها ، فاتخذها العالمون قدوة ، ونصبها العالمون قبلة ، فجزاهم الله سبحانه وتعالى عن سعيهم الحميد أحسن ما جزى به علماء أمّة وأحبار ملّة . وكان أوّل من أمر بتدوين الحديث وجمعه بالكتابة عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه خوف اندراسه ، كما في الموطأ رواية محمد بن الحسن " أخبرنا يحيى بن سعيد أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم أن انظر ما كان من